أسمع جعجعةً، ولا أرى طحيناً!

منذ سقوط النظام، لم تتوقف الأخبار عن المؤتمرات والاتفاقيات والمعاهدات والعقود “المليارية” التي تُعلن يوميًا عبر وسائل الإعلام. وعود متكررة بتدفق النقد الأجنبي، وتوفير فرص عمل، وتحسن في مستوى الخدمات.

من الطبيعي أن لا تتحسن الخدمات بين ليلة وضحاها، لكن بالنسبة للوظائف، فمن المفترض أن تظهر مؤشرات مبكرة. أي شركة استثمارية كبيرة، قبل أن تبدأ في بناء الأبراج أو المراكز التجارية، تحتاج إلى موظفين محليين: مدير توظيف، مهندسين لدراسة الجدوى، خبراء في المساحة، باحثين اقتصاديين لدراسة السوق… إلخ.
هذا يعني أن مواقع التوظيف، والصحف، وصفحات التواصل الاجتماعي، يجب أن تغصّ بإعلانات البحث عن كوادر. فمن غير المعقول أن يستثمر طرف خارجي مليارات الدولارات دون أن يبدأ منذ اللحظة الأولى بتوظيف الناس ولو لمهام أولية.

لكننا لم نلمس أي أثر لهذا الحراك. لا وظائف جديدة، ولا طلب على الكفاءات، ولا حتى مؤشرات صغيرة تدل على انطلاق مشاريع ضخمة.

وهنا يبرز التساؤل: ما الذي يحدث خلف الكواليس؟
نسمع جعجعة إعلامية بلا طحين.

في الحياة والاقتصاد، طبيعي أن يكون هناك زمن فاصِل بين الإعلان والنتائج. تمامًا مثل الطاحونة القديمة: تضع القمح في الأعلى، وتحتاج لدوران الرحى عشرات المرات قبل أن يبدأ الطحين بالتساقط. أو مثل ماكينة الكبة: لا ترى النتيجة فورًا بمجرد وضع المكونات، لكنك تراها بعد لحظات. الفرق أن هذه المرحلة يجب أن تكون مؤقتة، لا أن تستمر بلا نهاية.

لقد مرّ الآن أكثر من ثمانية أشهر على سيل الإعلانات عن مشاريع “مليارية”. ولو جمعنا كل الأرقام التي سمعناها خلال هذه الفترة لبلغت تريليونات الدولارات. ومع ذلك، لم نشهد أي أثر ملموس:

  • لا تدفق للعملة الصعبة.
  • لا وظائف دولارية.
  • لا حركة واضحة في سوق العمل.

فهل نحن أمام مشاريع حقيقية؟ أم مجرد وعود فضفاضة و”شيكات بلا رصيد”؟
هل هذه الإعلانات وسيلة تضليل إعلامي أكثر من كونها خططًا اقتصادية قابلة للتنفيذ؟

هذه الأسئلة مشروعة، ومن حق السوريين أن يطرحوها بعد أشهر طويلة من “الجعجعة بلا طحين”.