هل يقتل البطء؟
نعم، البطء في العمل الحكومي في سوريا قد يؤدي إلى الموت.
عندما تكون أكثر من 60% من الشعب تحت خط الفقر، يصبح أي تقاعس أو تأخير في القرارات الاقتصادية والمالية جريمة بحق الناس.
على سبيل المثال، ضجّت وسائل الإعلام مؤخرًا بخبر تجربة تحويل أموال أجراها وزير المالية إلى بنك إيطالي. قُدّمت التجربة كإنجاز ضخم أشبه بإطلاق صاروخ إلى الفضاء! مع أن أي شاب في لبنان أو الأردن أو تركيا أو الخليج أو أوروبا يستطيع ببساطة شراء بطاقة دفع مسبق وتحويل الأموال خلال دقائق. فما الذي يجعل خطوة عادية كهذه تبدو وكأنها حدث تاريخي في سوريا؟
الأدهى من ذلك أن الوزير الذي يفترض أن يستفيد من رفع العقوبات والدعم الدولي (التركي والخليجي والأوروبي) لم يقدّم أي حلول عملية حقيقية. لدينا تطبيقات قائمة مثل تطبيق كاش أو شام، لا تحتاج سوى تطوير بسيط لتتحول إلى بنوك إلكترونية تخدم ملايين السوريين والمغتربين. لكن ما يزال التحويل إلى هذه التطبيقات محصورًا بالعملات المشفّرة، رغم أن الحكومة نفسها حذرت من التعامل بها!
المغتربون السوريون بالملايين، ومستعدون لإرسال تحويلات يومية لأهلهم المحتاجين لترميم بيوتهم، أو علاج مرضاهم، أو شراء أبسط حاجياتهم. ومع ذلك، تُعطَّل هذه الإمكانية بسبب تباطؤ وزارات المالية والاتصالات. فهل يُعقل أن يُترك الناس للجوع والمرض فقط لأن مسؤولًا لا يبادر بحل بسيط مثل فتح حساب مصرفي في بنك تركي أو أردني أو خليجي يتيح التحويلات بشكل قانوني وسهل؟
هذا التقاعس لا يقتصر على المال والتحويلات. انظروا مثلًا إلى ملف الجوازات: منذ أشهر طويلة، لم تُفعّل المنصة الإلكترونية التي كانت تعمل أصلًا من قبل 2011. السوريون في الخارج لا يستطيعون استخراج جوازات سفر، والجاليات كلها تشتكي من أداء السفراء، لكن لم يحدث أي تغيير حقيقي. وزير الخارجية الجديد، الذي عُيّن بسرعة ومن دون تدقيق بالكفاءة، لم يقدّم حلولًا، ولم يُحاسب أحد المسؤولين المقصّرين.
كل هذا يكشف أن الوزراء مشغولون بأمور ثانوية، بينما الشعب يواجه الجوع، المرض، والمعاناة اليومية. ولو كان لدى هؤلاء المسؤولين إحساس حقيقي بآلام الناس، لما ناموا قبل ابتكار حلول عاجلة. لكن الواقع أن الحكومة بأكملها – وزراء مالية، واتصالات، واقتصاد، وخارجية – لم تقدّم إنجازًا ملموسًا رغم مرور شهور طويلة.
إن الاستمرار بهذا البطء لا يهدد حياة الناس فقط، بل يهدد التجربة السورية بأسرها.
فالتجارب السابقة علمتنا: عندما تفشل الحكومات في الملفات الاقتصادية والخدمية والإدارية، ينهار ثقة الشعب بها، ويصبح إسقاطها أمرًا سهلًا لأي قوة خارجية أو داخلية. هذا ما حدث في مصر حين فشلت الحكومة بعد الثورة في تلبية احتياجات الناس، فتهيأت الأجواء للانقلاب.
السؤال اليوم: إذا كانت هناك دول تتآمر علينا، فلماذا نتآمر نحن على أنفسنا بالتقصير والإهمال؟
المسؤول الذي يتقاعس عن عمله، أو يعطّل حلًا بسيطًا لأزمة حيوية، أليس شريكًا في المؤامرة على الشعب؟
لماذا لم يُحاسب أي وزير أو موظف على تقصيره؟
لماذا يُترك الناس يموتون جوعًا ومرضًا بينما تستمر الجوقة الإعلامية في التطبيل والتهليل لإنجازات وهمية؟
إن إسقاط الحكومات أو إفشال التجارب لا يتم فقط بالمؤامرات الخارجية. لا بد من “السندان الداخلي” الذي يثبت فشل المؤسسات ويعجز عن تلبية حاجات الناس. ومع الأسف، هذا ما يحدث اليوم في سوريا: بطء قاتل، تقاعس إداري، وغياب كامل للمحاسبة.
وهكذا نمضي على خطى التجارب السابقة التي انتهت بمآسي، بدل أن نبتكر طريقًا مختلفًا يليق بتضحيات السوريين وآمالهم.

